عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

342

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

جاء الحق فأخبر آزر بذلك فقال هذا من كثرة عبادتي للأصنام وخدمتي لهم ثم نام النمروذ في تلك الليلة فرأى كأن سريره قد استدار بالأسرة وإذا برجل على سريره وهو من أحسن الناس وجها في يده اليمنى الشمس وفي الأخرى القمر فقال الرجل : اعبد إلهك فقال النمروذ هل من إله سواء ؟ قال نعم إله الأرض والسماء ثم قال لسريره تزلزل بقدرة اللّه فتزلزل حتى سقط النمروذ عنه فانتبه النمروذ مرعوبا فأخبر آزر بذلك فقال هذا يدل على زيادة الملك ثم نام فرأى النمروذ نورا ساطعا من الأرض إلى السماء ورأى رجالا يصعدون ويهبطون وإذا برجل جميل قالوا له بك تحيا الأرض بعد موتها فأخبر الكهان بذلك وقال إن لم تخبروني بهذه الرؤيا وإلا عذبتكم فقال أمهلنا ثلاثة أيام فلما خرجوا قالوا لآزر هذه الرؤيا تدل على مولود من أقرب الناس إلى النمروذ ينازعه في ملكه فخذ لنا الأمان منه حتى نخبره ففعل فقال يا آزر أنت أقرب الناس إلي وفلان فضرب عنقه وأعماه اللّه عن آزر ووكل الذباحين بالحوامل فذبحوا مائة ألف غلام ، وفي العرائس أنه عزل الرجال عن النساء فإذا حاضت المرأة تركها مع زوجها فإذا طهرت عزلها فدخل آزر على زوجته فواقعها فحملت بإبراهيم فلما كانت ليلة الولادة دخلت بيت الأصنام ليخففوا عنها الألم فوقعت الأصنام عن الأسرة فخرجت مرعوبة فقال من هذه قالوا امرأة وزيرك آزر ومعناه الأعرج وقيل الشيخ الهرم فأراد أن يقول اقبضوا عليها فقال اتركوها فذهبت إلى مغارة في الفلاة فوضعته فيها وسدتها عليه وكانت تتعاهده فرأته يمص من إحدى أصابعه لبنا ومن الأخرى عسلا قيل ولدته بين الكوفة والبصرة وقيل ولدته بقرية من قرى دمشق يقال لها برزة قال العلائي : والأشهر من الأقوال أنه ولد بأرض العراق ولما هاجر إلى الشام تعبد في المقام ببرزة فلما بلغ سنة كان أول كلامه أن قال يا أماه من ربي قالت أنا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب أبي قالت النمروذ قال فمن رب النمروذ فلطمت وجهه ، وفي العرائس لم يمكث إبراهيم في السرب الذي أخفته أمه فيه إلا خمسة عشر يوما اليوم كالشهر والشهر كالسنة ثم طلب الخروج بعد غروب الشمس فأخرجته واسمها نونا فنظر إلى الدواب فقال ما هذه قيل إبل وبقر وخيل فقال لا بد لها من رب وخالق ثم نظر إلى السماء وقال يا أماه ما هذه القبة الخضراء المستديرة على الأقطار وما هذه الأشجار والجبال والخلائق فيهم الطويل والقصير والقوي والضعيف والغني والفقير ؟ من صنع هذا كله ؟ قالت النمروذ ثم في آخر الليل رأى كوكبا فقال هذا ربي ثم طلع القمر فقال هذا ربي ثم طلعت الشمس فقال هذا ربي فقالت أمه لأبيه هذا المولود الذي يغير ديننا فبلغ ذلك النمروذ فقال يا إبراهيم من تعبد ؟ قال الرب قال وأي رب ؟ قال رب العالمين فقال النمروذ من هو الرب ؟ فقال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) [ الشعراء : 78 ] الآية قال فصف لي ربك قال يحيي ويميت فقال النمروذ أنا أحيي وأميت ثم دعا برجلين وجب عليهما القصاص فقتل أحدهما وترك الآخر فقال إبراهيم فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ البقرة : 258 ] فتحير النمروذ وكان جبريل أمام إبراهيم فقال اللّه تعالى يا جبريل إن قال أنا الذي أتيت بها من المشرق فاقلب الفلك وائت بها من المغرب قال